السيد محمد حسين الطهراني
51
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
وعلى بناء النفس البشريّة على أساس النظر إلى وحدة تجلّيات الحقّ في جميع مظاهر عالم الإمكان . إن القرآن الكريم يعتبر الإنسان مخلوقاً مرتبطاً بجميع الموجودات الأخرى ، كما يعتبر روح الإنسان مرتبطة بجميع الأشياء ، بحيث يرى نور الحقّ المتعال سارياً في الإنسان وفي جميع الأشياء بأسرها ، ويسوق الإنسان إلى التوحيد في العقيدة والأخلاق عن طريق النظر والتأمّل والتفكّر في مخلوقات عالم الخلقة التي لا تُحصى . والأخلاق القرآنيّة من أسمى وأرفع الأخلاق الكريمة ، حيث تبنى الوجود الإنسانيّ على نور توحيد الحقّ ، وبالنظر إلى وحدة ذاته القدسيّة ، ووحدة صفاته وأسمائه ، ووحدة أفعاله في كلّ شيء ، وتُقيم لبنات هذا البناء الروحي الشامخ على هذا الأساس والأصل . ولذلك ، فإنّ الأخلاق المكتسبة من القرآن ليست منفصلة عن عالم الخلقة والأمور الطبيعيّة والتجريبيّة ومشاهدات عالم الخلقة ، كما أنّ عالم الخلقة وهذه السلسلة المتطاولة من الموجودات العجيبية المعقّدة ليست بدورها منعزلةً منفكّة عن روح الإنسان ؛ « 1 » فهي ممتَزجة مع بعضها امتزاج
--> ( 1 ) - يقول المستشار عبد الحليم الجندي في كتاب « الإمام جعفر الصادق » ص 294 . وفي منهج الاعتبار بالواقع أو بالآثار الدالّة على المطلوب « واقعيّة » أدنى إلى التصديق من مجازفات الفكر . وفي الواقع المادّي ضمان أن لا يبعد الاستخلاص من الملموس والمحسوس بالحواس الخمس . وهذه الواقعيّة أو النزاهة الفكريّة ، تسبق واقعيّة اوجست كومت ، بقرون عشرة ، وعقلانيّة ديكارت ، ، بقرون تسعة ، كما تسبق جون سيتورات مل ، ، ، في نظريّة اطِّراد العلل بقرون عشرة . وبهذه القرون يُقاس سبق الحضارة الإسلاميّة . ، اوجست كومت Auguse Come 1798 - 1857 صاحب الفلسفة الواقعيّة في القرن الماضي . انتفع بمؤلّفات لبنتز وديكارت وفرنسيس بيكون والقدِّيس توماس الأكوينيّ وروجير بيكون ، والأخيران من أكبر مَن نشروا العلم الإسلاميّ وتأثّروا به . وكثير من كتاباتهما تَستعمِل تعبيرات إسلاميّة . ، ، جون ستيوارت مل 1806 - 1873 . ، ، ، ديكارت Rene Descares ( 1596 - 1650 ) . 1 - يقول عبد الحليم الجندي في كتاب « الإمام جعفر الصادق » ص 295 . وربّما كان الكلام المنقول عن جابر بن حيان أوضح كلام في الدلالة على المنهج التجريبيّ الذي تعلّمه في مجلس الإمام أو من كتب الإمام . يخاطب جابر الإمام في مقدِّمة كتابه « الأحجار » بقوله وحقّ سيّدي ! لولا أنّ هذه الكتب باسم سيّدي صلوات الله عليه لما وصلتُ إلى حرفٍ من ذلك إلى الأبد . ويقول جابر في كتابه « الخواصّ » عن طريقته . اتعبْ أوّلًا تعباً واحداً . واعلمْ . ثمّ اعملْ . فإنّك لا تصل أوّلًا . ثمّ تصل إلى ما تريد . وفي كتابه « السبعين » يقول . مَن كان دَرِباً ( مجرّباً ) كان عالماً حقّاً . ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً . وحسبك بالدُّرْبَة في جميع الصنائع أنّ الصانع الدرب يَحذِق وغير الدرب يُعطِّل . ويحصر جابر طريقته في عبارته المأثورة . عملته بيدي . وبعقلي . وبحثته حتى صحَّ وامتحنته فما كذب . وفي هذا المقام يقول أستاذ الفلسفة الإسلاميّة المعاصر في جامعة القاهرة . د . زكي نجيب محمود . فلو شئتَ تلخيصاً للمنهج الديكارتيّ كلّه لم تجد خيراً من هذا النصّ الذي أسلفناه عن جابر .